ابن الجوزي
77
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( الله الذي أنزل الكتاب ) يعني القرآن ( بالحق ) أي : لم ينزله لغير شيء ( والميزان ) فيه قولان : أحدهما : أنه العدل ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والجمهور . والثاني : أنه الذي يوزن به ، حكي عن مجاهد . ومعنى إنزاله : إلهام الخلق أن يعملوا به ، وأمر الله عز وجل إياهم بالإنصاف . وسمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق . وتمام الآية مشروح في الأحزاب . قوله تعالى : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) لأنهم لا يخافون ما فيها ، إذ لم يؤمنوا بكونها ، فهم يطلبون قيامها استبعادا واستهزاء ( والذين آمنوا مشفقون ) أي : خائفون ( منها ) لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون ، ولا يدرون ما يكون منهم ( ويعلمون أنها الحق ) أي : أنها كائنة لا محالة ( ألا إن الذين يمارون في الساعة ) أي : يخاصمون في كونها ( لفي ضلال بعيد ) حين لم يتفكروا ، فيعلموا قدرة الله على إقامتها . ( الله لطيف بعباده ) قد شرحنا معنى اسمه " اللطيف " في الأنعام وفي عباده هاهنا قولان : أحدهما : أنهم المؤمنون . والثاني : أنه عام في الكل . ولطفه بالفاجر : أنه لا يهلكه . ( يرزق من يشاء ) أي : يوسع له الرزق . قوله تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة ) قال ابن قتيبة : أي عمل الآخرة ، يقال : فلان يحرث الدنيا ، أي : يعمل لها ويجمع المال ، فالمعنى من أراد بعمله الآخرة ( نزد له في حرثه ) أي : نضاعف له الحسنات . قال المفسرون : من أراد العمل لله بما يرضيه ، أعانه الله على عبادته ، ومن أراد الدنيا مؤثرا لها على الآخرة لأنه غير مؤمن بالآخرة ، يؤته منها ، وهو الذي قسم له ، ( وما له في الآخرة من نصيب ) لأنه كافر بها لم يعمل لها . فصل اتفق العلماء على أن أول هذه الآية إلى " حرثه " محكم ، واختلفوا في باقيها على قولين . أحدهما : أنه منسوخ بقوله : ( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) ، وهذا قول جماعة منهم مقاتل . والثاني : أن الآيتين محكمتان متفقتان في المعنى ، لأنه لم يقل في هذه الآية : نؤته مراده ،